محمد بن جعفر الكتاني
372
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
[ 1375 - الخطيب سيدي موسى السعيدي المعلم ] ( ت : 599 ) [ 1376 - ونجله الخطيب سيدي عبد اللّه بن موسى السعيدي المعلم ] ( ت : بعد سنة 599 ) ومنهم : سيدي موسى المعلم لكتاب اللّه . الفقيه الصالح ، الورع الخطيب ؛ أبو عمران . كان يعلم الصبيان بمكتب قنطرة أبي رؤوس ، وكان له صوت شجي حسن ، يبكي كل من سمعه يقرأ القرآن . وكان خطيبا بجامع القرويين باستخلاف الشيخ أبي محمد يسكر بن موسى الجورائي له ، وذلك : في رمضان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة . ولما وصله الأمر بالخطبة ؛ دخلته دهشة ، وأطلق صبيانه ، ثم أخذ في البكاء والدعاء ، وقال : « اللهم لا تفضحني بين عبادك ؛ يا أرحم الراحمين » . ولما كان يوم الجمعة ؛ لبس أحسن ثيابه ، وسار إلى الجامع ، فقعد في حجرته إلى وقت الأذان ، فقام وخطب ، ولم يتوقف ولم يتلجلج . ثم أتى المحراب ؛ فأتى بالحكمة وفصل الخطاب ، وبكى كل من سمعه . فلما تمت الصلاة ؛ أقبل الناس لتقبيل يديه والتبرك به . ولم يزل خطيبا إلى أن وصل الفقيه القاضي أبو محمد عبد اللّه بن ميمون الهواري ؛ فكان أول سؤاله لأهل المدينة : عن خطيب جامع القرويين ؟ . فذكر له فيه خير ، وأثني عليه كثيرا . فلما جاءت الجمعة ورآه ؛ لم تعجبه صورته ، واستبشعها ، وقال فيه قولا . فقال بعض من حضر : « لو سمعت خطبته لأعجبك » . فلما سمع خطبته ؛ بكى وطلب منه المغفرة والدعاء . ثم لما توفي أبو محمد يسكر ؛ ولي الخطابة بها استقلالا ، وزاد الإمامة . وبقي خطيبا وإماما إلى أن مرض مرضه الذي توفي فيه ، فقيل له : « استخلف ولدك للصلاة » . فقال : « إن علم اللّه فيه خيرا ؛ فهو يستخلفه ! » . فلما توفي وحمل إلى قبره ، ووضع على شفيره للصلاة ؛ ضج الناس بالبكاء عليه ، وطلب من يصلي عليه ؛ فقال قاضي بلد فاس لولده الفقيه [ 293 ] أبي محمد عبد اللّه : « تقدم فصل على أبيك » . فتقدم فصلى على أبيه وانصرف الناس . فقدم لموضع أبيه للخطبة والإمامة بالجامع المذكور . وكانت وفاة صاحب الترجمة في عشرين من صفر سنة تسع وتسعين وخمسمائة . ذكره الجزنائي في كتابه : " جنا زهرة الآس " ، وتبعه في " الجذوة " في أولها ، أثناء عده لخطباء جامع القرويين عمره اللّه بذكره .